الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
400
المنقذ من التقليد
كان ناقضا للعادة . قيل : لا يجوز ذلك . وقد اختلف أبو هاشم وأبو عيد اللّه فيما انخرقت العادة فيه إذا صارت عادة مستمرّة أنّه هل يقدح في كون الفعل الأوّل دلالة ؟ فقال أبو هاشم : إنّ ما كان خرقا للعادة لو صارت عادة لخرج الأوّل من كونه دلالة وقال أبو عبد اللّه : إنّ ذلك لا يخرج الأوّل من كونه دلالة ولكن كثرته واستمراره حتّى يصير عادة بعد كونه خارقا للعادة ينفّر عن النظر فيه . والصحيح ما قاله أبو عبد اللّه ، لأنّ استمرار ذلك لا يخرج الاوّل من أن يكون ناقضا للعادة ، فيبقى دلالة إذا حصل فيه الشروط التي معها يدلّ . فإنّ قيل : ألستم قد جوّزتم في المعجزات أن تكون باقية ؟ وجوّز بعضكم في المغناطيس أن يكون معجزا لنبيّ ، قد بقي على ما كان عليه من قبل ، وكذلك قلتم في الطلسمات إنّها معجزات باقية للأنبياء عليهم السلام فما الفرق بين ذلك وبين ما أنكرتموه ؟ حتّى قال أبو هاشم : إنّ استمرار ذلك يخرج الأوّل من كونه دالّا ، وقال أبو عبد اللّه : لا يخرجه من كونه دالا ولكنّه ينفّر عن النظر فيه ؟ قلنا : المعجز إذا كان باقيا كالطلسمات ، لا شكّ في انّه لا يشبه ما أنكرناه من صيرورة ما كان خارقا للعادة معتادا . وإذا كان حادثا ، وكان حادثه كباقيه ، كما نجوّزه في حجر المغناطيس ، وكما نقوله في القرآن ، فانّه أيضا يفارق ما منعنا منه ، إذ استمرار إحياء الميت لو استمرّ حتّى يصير عادة بعد أن كان خارق عادة ليس شيئا باقيا ولا هو في حكم الباقي . وكذا القول في قلب العصا حيّة وفلق البحر وإبراء الأكمه والأبرص لو استمرّ وصار معتادا ، إذ لو استمرّ شيء من ذلك وصار معتادا لم يكن ذلك شيئا باقيا ولا في حكم الباقي . ولا بدّ من أن ينفّر عن النظر فيما حصل أوّلا عند دعوى المدّعي ففارق ذلك ما جوّزناه في بقاء المعجزات ، لأنّ جميع ذلك لا يخرج من أن يكون إمّا باقيا أو يكون في حكم الباقي وإن كان حادثا .